فى ظلمة الليل، أو البحر، أو حتى فى بطن الحوت، ومثلما قال يونس بن متّي، عليه السلام، أقول وأكرر دائمًا وفى كل الأوقات: «لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين». ما قالها رجل مخلصًا متجردًا إلا وذهب عنه الهم والحزن.
وهنا، وفى هذه الزاوية، أستغيث برب العالمين، بكل ثقة ويقين بأنه سيستجيب. أستغيث بعزته وقدرته أن يحفظ وطننا من كل سوء، وألا يحمّله ويحمّلنا ما لا طاقة له ولنا به، وأن يقينا، بقدرته العظيمة، من الفتن وشرورها وتوابعها.
أقول هذا القول، وأرفع هذا الدعاء، ليس من قبيل الدروشة؛ فلست درويشًا فى حلقات الدراويش، ولست مغيبًا عما يدور على أرض الواقع من تحديات شديدة التعقيد، وليس هروبًا من مسئوليات تحتاج إلى استنهاض الهمم على جميع الأصعدة، وإنما أدعو الله طالبًا المدد والعون والتوفيق والسداد والحماية. ألجأ إليه عبدًا فقيرًا، ذليلاً، ضعيفًا، وأطرق أبوابه الواسعة.
عندما أنظر إلى الخريطة الإقليمية، وما يدور فيها من حروب ونزاعات وصراعات وأطماع، وعندما أتابع الخطط المرسومة والموضوعة بعناية لإعادة تقسيم الشرق الأوسط وتنظيمه، ووسط هذه الهمهمات بضرورة توسيع مساحة دولة الكيان الصهيونى على حساب دول المنطقة، وما يعترى ذلك من مخاوف حقيقية على مستقبل القضية الفلسطينية، وعندما أرى الخناق الاقتصادى يزداد حول رقبة الوطن، وعندما تنشط الجماعات الإرهابية ومتحوراتها فى نسج الشائعات وتمريرها، وتحويلها إلى أعاصير للتشكيك والتشويه وزعزعة الاستقرار والهدوء المجتمعي، وعندما أشعر بقلق النخبة الهشة والمثقفين المنسحبين حيال كل ما يجرى حولنا؛ عندما يدور كل ذلك أمام عيني، ويضغط على مفاصل العقل والتفكير، فلابد من الانتباه والشعور بالمسئولية الفادحة.
ووسط هذا الشعور، لابد من العمل، ثم العمل، ثم العمل. لا نملك إلا العمل الواعي، والفهم الصحيح، وقول الحقيقة، وإيقاظ الهمم واستنهاضها، وإطلاق نوبات الصحو، وإحداث الصدمات التى توقظ الجميع.
لقد ازداد قلقى وإحساسى بفداحة المسئولية عندما وجدت المجتمع الذى أعيش فيه، وانتمى إليه، وأعمل من أجله، يسهل العبث بعقله الجمعى عبر إطلاق الشائعات. أقف عاجزًا عن تفسير اللامبالاة التى أصابت بعض بنى بلدى فى مواجهة الأكاذيب والأباطيل.
أتساءل دائمًا وأقول: لماذا بات المجتمع يتقبل الأكاذيب، ويمررها، ويتداولها، وهو يعلم أنها أكاذيب؟ لماذا لا يفكر الناس فيما يُعرض عليهم ويُساق إليهم؟ لماذا لا يتبين الناس طريق الحق قبل أن يسيروا فى طريق الباطل؟ ألم يأمرنا القرآن العظيم أن نتبين؟ «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قومًا بجهالة».
لكن الوضع هنا ليس إصابة أقوام آخرين بجهالة، وإنما أن نصيب أنفسنا نحن بحماقة أفعالنا وأقوالنا وسلوكياتنا.
لكل ما سبق، ووسط هذه المظالم، أنادى فى الظلمات، ظلمات الوعي، وأقول: يااا رب.